برجاء عدم الوقوف هنا!
الرجاء عدم
الوقوف هنا!
يا لسخافة
البشر! يظنون أن لافتة مثل هذه ستمنعني من قفزتي الأخيرة. لطالما اتقنت قفزاتي،
فهذه هي مهنتي. لكن اليوم اريد ان اتبعثر.. ان اقفز دون رجعة.. دون سيطرة مني.
" انا
اليوم سأكون حر".
"إن
كنت تظن ان حريتك ستبدأ بإنهاء حياتك فانت مخطئ".
لم التفت
لمصدر الصوت واكملت التحديق امامي في المياه،
"إذا
كنتِ تحاولين جعلي اتخلى عن قراري فاستسلمي، انا هنا بلا رجعة".
"وما
شائني بك؟ انا هنا أيضا لنفس السبب".
التفتُ
لها، ووجدت امامي امرأة شابة، لم يستطع الظلام كبح ملامح وجهها الحادة الجميلة.
"حقا؟
إذًا ماذا سأجني إن انهيتها؟"
اقتربت
ووقفت بجانبي لتنظر معي في اللا شيء.. وابتسمت،
"لا
شيء".
" لا
بل كل شيء. انا من اريد ان اقفز، فهذا القرار الوحيد الذي اخذته بنفسي".
" الم
يدفعك الاخرون لتأتي الى هنا؟ هذا ليس قرارك انت".
***
"كان
يمكنك ان تؤدي أكثر اليوم".
"يا
رجل، لقد تغلبنا على الفريق المنافس وتهاتف الجمهور باسمي طوال المباراة".
"لكنك
لم تتغلب على سجلك التهديفي.. سنضاعف التمارين لك".
"اتريدني
الا احتفل بفوزنا اليوم أيضا؟"
"على
أي فوز تتكلم! الفوز الحقيقي هو عندما ننتهي من هذه المسابقة وتثبت لهم من هو
حمزة.. هداف الفريق.. صاحب اعلى معدل للتسجيل في المباريات جميعها".
انا من عشت
اعوامي ابحث عن إرضاء الجميع في شيء احببته حتى جعلوني اتوقف عن حبه.. وأصبحت مثل
الآلة تجيب لرغباتهم وتزيد من انجازاتهم الى ان سئمت من السيطرة الدائمة على عقلي
وقلبي، لم يسمحوا لي برؤية النور في اعين المحبين لي الذي رغبت دوما برؤيته..
أخبروني الا انخدع بأي حب اتجاهي، فانا مازلت في القاع.. انا لم احقق شيء بعد..
انا عليّ ان أكرس حياتي كلها في التمارين.
***
"انتِ
لا تعرفين شيئا".
التفتت إلي
واقتربت من وجهي قليلًا.. ثم أوقعت عينيها امامها مجددًا،
"ربما
لا أعلم لكني أرى بعينيك انني محقة".
اخبرتها في
برود،
"انا
هنا لأنال حريتي".
"بالقفز
من على الجسر؟"
اخذتُ بضع
خطواتٍ للوراء ونظرت الي المياه وهيئة الفتاة التي تُعيقني.
"الا يمكنكِ المغادرة او التوقف عن طرح ما
ليس له قيمة الآن".
التفتت
لتواجهني،
"سأخبرك
قصة".
***
كنت أحب دوما ان أرى الحب في اعين الناس،
فاخترتُ ان أكون صحفية.. ان اكتب مقالاتٍ كثيرة في شتى الأنواع، فقط لأبعثُ
المشاعر الدافئة داخل من يقرأ، ولأتحمس انا بردود افعالهم الجميلة.
الى ان
انتهى لدي كل ما هو جميل لأكتبه. واصبح زملائي يدخلون عليّ كل يوم بكوارث مختلفة.
وفقدت قدرتي على النظر لما هو جميل في ظل كل هذه المشاكل التي يتعرض العالم لها كل
يوم. فتوقفت عن كتابة مقالاتي وبدأت بسرد الحوادث والذهاب بنفسي لمواقع الجريمة.
انجرفتُ مع الاخبار اليومية ومقالاتي المملة،
ونسيت ان هناك من كان ينتظر مقالتي الأسبوعية ذات الأثر الدافئ عليهم.
"وماذا
بعد؟ توقفتِ عن رؤية كل ما هو جميل واردتِ
الانتحار؟"
بالرغم من
السخرية النابعة من سؤالك سأكمل لك،
حاولت
العودة مجددا لكتابة مقالاتي بالطريقة التي اعدت عليها. كما اردت دوما ان تكون،
لكنني لم أستطع.. أصبحت ضحية للروتين والاخبار اليومية التي لا تنتهي. وفقدت قدرتي
عن رؤية ما هو جميل بعد رحيل مصدر الهامي،
"ما
هو؟"
-التفتت
لتنظر الي المياه امامنا واقتربتُ لها مجددا-
"ما
هو؟"
-اخذت
نفسًا عميقًا ثم تنهدت ونظرت للسماء-
كان لدي ما
هو اشبه بالكنز. اشبه بذلك الحنين الذي تشعر به بعد انتهاء يوم مرهق. كنت اعلم ان
وقعت سأجده يحملني دون ثقل عليه. كان يريدني دوما ان أرى العالم جميلا مهما كان
قاسيا عليّ، او مهما خذلني..
لم اشعر
بأي فجوة بداخلي، فدائمًا كان يملئ مخاوفي بابتسامة عينيه واحتضانه ليّ، حتى تحلق
كوابيسي بعيدًا. رحل ابي عني وتركني اواجه مخاوف العالم وحدي..
لم يستطع
أي ابن ادم ان يملئ الفجوة التي تركها ابي.. لم يستطع أحد ان ينظر اليّ مثلما كانت
تفعل عينيه الدافئتين، لم يستطع أحد ان يجعلني أرى العالم كما اعتدت..
أحيانا
الومه لإنه اراد دوما ان أكون نقية ولم ينبهني بالوحوش التي يمكن ان تتغذى على
طاقتي دون ان اشعر..
***
" انا
اسف لما عانيته بمفردك"
ضحكت
باستهزاء،
"هل
انت اسف حقا ام اثرت شفقتك؟"
"اتعلمين،
يبدو لي ان والدكِ لم يكن ليسمح لكِ بالانتحار هكذا".
" كنت
اظن ان بيننا اتفاق بألا نغير من قرار الاخر".
" لا
لم يكن بيننا اتفاق. انا فقد اخبرتكِ ان لا تجعليني اتخلى عن قراري لكني لم اعدكِ
بشيء".
"وماذا
سيجعلك تتخلى عنه؟"
"ان
تخليتي انتِ عنه".
"لماذا؟"
"لا
أعلم، لكن والدك محق.. العالم ليس سيء، ستظل مخاوفنا تحيط بنا لكننا لن نستسلم
لها. او نخضع للكوابيس. انتِ فقط بحاجة الى النور، النور الذي يجعلك ترغبين
بإظهاره للجميع حتى يشعروا بما تشعرين به، ويرون ما ترينه، ويتحدثون عما تتحدثين
عنه. هكذا هو النور.. دائما امامك وانتِ تبخلين المجازفة والخروج عن المعتاد
والقيود لتصلِ إليه".
التفتت
اليّ وابتسمت بحماس،
"هل
تتحدث اليّ ام الى نفسك؟
***
لقد سئمت من اهانتك المستمرة ليّ ولأدائي، لما
لا ترحمني ولو لمرة؟ اعتاد الامر ان يكون مسليًا.. انا وانت نلعب بلا هدف او وقت
محدد. حتى تمل جدتي وتصيح لك ان تتوقف عن إضاعة وقت طفلك ومساعدته في افراضه
المنزلية المتراكمة عليه. حتى عندما كبرتُ قليلًا وبدأت بممارسة كرة السلة في
المدرسة، كنت العبها لأنني أحبها، أحب تلك اللحظة التي تُقذف ليّ الكرة لأقذفها
انا في السلة ويتهاتف الجميع باسمي في الخلفية. حينها فقط أنسى واتذكر من أكون..
"لمن
تتحدث يا بني؟"
"لا
أحد".
"هيا
اذن امامنا مباراة كبيرة اليوم".
كل مبارياتك
كبيرة يا أبي..
تقيدك
المستمر ليّ جعلني أنسي حبي للكرة، اعماني عن رؤية ما كنت احتاج إليه. فرضت عليّ
اهداف ليست بأهدافي، واحلام ليست احلامي، فرضت عليّ ظلام ليس بظلامي..
***
نظرتُ
إليها بتمعن،
" انا
حمزة".
ضحكت هي،
"انا اعلم".
"بالطبع
فانتِ تعملين في مجال الصحافة.. كيف لم الاحظ!"
"انا
شمس".
" شمس..
اسمٌ جميل".
" أخبرني
اذن كيف لأشهر وأمهر لاعب كرة سلة هذا الموسم ان يرغب بالانتحار؟"
نظرتُ الى
المياه في شرود،
"يمكنك
قول انني اريد من اخر نفس لي ان يكون بقراري".
"ولماذا
هذا؟"
"لأنال
حريتي!!"
"انت
مجدداً"
"ماذا
تقصدين؟"
"انظر
حولك، انت اخترت المجيء هنا. واخترت ان تترك خلفك كل ما يقيدك لان هذا أسهل من أي
قرار اخر تتخذه، انت الآن يا سيدي تهرب لا تقرر".
سألتها
ساخرًا،
"هل
ستنقذينني؟"
"اخبرتك
سابقًا ليس شأني.. لكن عليك النظر مجددًا، الا تريد أن تثبت للعالم إنك حر قبل
ذهابك؟ الا تريد ان تخبرهم إنك تخلصت من الذي يقيدك بشجاعة لا بالقفز هاربًا.. الا
تريد ان تكون بطل قصتك التي ترويها للجمهور ليلًا ونهارًا، بدلًا من ان تصبح قصة
نهاية بطل لن يتذكره أحد سوى في الملعب".
نظرتُ
اليها في ذهول، وايقنت حينها انها محقة. ان كنت اريد ان أصبح حرا عليّ ان افك
قيودي بنفسي..
"اظن
ان عليّ اجراء مكالمة مهمة الآن امهليني لحظة".
ابتسمتُ
لها والتفتت عنها بحماس لأمسك هاتفي، وضربت اصابعي رقم مديري مسرعا..
سمعت صوتها
خافتا خلفي،
"اظن ان
عليّ انا ايضًا".
***
"حمزة،
اين اختفيت؟"
"مرحبًا
يا ابي، اهاتفك الان لاخبرك بأمر هام".
"ما
هو؟ هل حدث شيء لك في التمرين؟"
"لا بل
في الواقع لقد انهيته وكنت في طريق عودتي للمنزل".
"..."
"اردت
اخبارك انني بعد انتهاء هذا الموسم سأعتزل اللعب معك".
"هل تعاطيت
شيئا ام ماذا؟"
"لا
انا لا امزح اريد ان انتقل لفريق اخر.. اريد ان احترف، سأبحث عن عرضٍ بفريق اخر وسأختار
ما اراه مناسبٌ ليّ".
"بالتأكيد
انت تمازحني! انا وانت يمكننا ان نصنع التاريخ".
"نصنع
تاريخك انت يا ابي.. هذا ليس شكل الحياة الذي اريده، هذه ليست اهدافي.. هذه ليست
مباراتي انها مباراتك التي لم تستطع ان تكملها".
قاطع حديثي
صوت اصطدام شيء بالمياه..
***
في لحظة
اشبه بفقدان قطعة الحلوى التي حصل عليها الطفل لتوه، نظرت خلفي مسرعًا لأجدني
وحدي. اين اختفت شمس؟ تحركت متلهفًا لأنظر أسفل الجسر حيث كان مصدر الصوت. اين
اختفيتِ؟ لما لم تنتظريني لأقفز معكِ؟ اكان عليكِ القفز حقا؟ لم تحدثتِ معيّ؟ لم
انتِ؟؟
لمحت عيناي
وشاح شمس يطفو على الماء.. لم تمر ثواني حتى وجدتني اقفز خلفها، لا لأتبعثر او
اتعمد الاستسلام. فلأول مرة اريد من قفزتي ان تنجح، ان تكون مثالية، ان لا يخالفني
التوقيت في رميتي..
في كل مرة كنت اقفز لأرمي بالكرة في السلة لأسجل
من جديد، فانا الآن ارمي بجسدي في المياه لأحصل على حريتي. ليس بموتي ولكن
بإنقاذكِ.. فإن كان عليّ مواجهة قيودي فسأوجهها بكِ. ان كان عليّ ان ابحث عن نوري
فاقلبي يقول انني سأجده فيكِ. ان كان عليّ فعل شيء أخير فهو ان اطمئن بأنك
ستعيشين، لتظلي تدفئين الناس بنورك حتى وانتِ في أظلم اوقاتكِ..
اصطدامي
بالمياه افاقني من افكاري وبدأت بالبحث عنك أسفل واعلى المياه، على يميني ويساري
ولم اجدك، بدأ القلق يُصيبني.. ارجوكِ امنحيني فرصة، ارجوك يا الله لا تدعها ترحل.
ها هي شمسي
أسفل المياه، غُصت اليك ورفعتك بين ذراعيّ وحملتك الى أقرب بر.. التفت الينا أحد
المارة وجاء مسرعًا بعد ان ابلغ الطوارئ.
***
" لا
تقلق عليها سنفعل ما بوسعنا".
سريعا ما
وصلنا الي المشفى وبدأ الأطباء والممرضين بالركض حولنا، كنت أقف بينهم اتابعهم
بعيني وهم يسعفونكِ. لم يسعني فعل شيء سوى الانتظار والدعاء بأن تُضيئي مجددًا.
"
معذرة الست حمزة؟"
"نعم".
"ماذا
كنت تفعل هناك يا بطل؟ انها منطقة محذورة من الجسر"
نظرت الى شمس
بتمعن،
"كنت
اُنقذ روحًا".
"تلك
الفتاة؟".
"لا
بل كنت انقذُ نفسي".
تركني
الممرض معتقدًا انني متأثرًا بالقفز ولا أقول غير الهراء.
حينها نظرتُ
الي شمس في شرود، اريد ان اعرف لماذا قفزت اولًا؟ لماذا لم تنتظر؟ الم تشعر هي بما
شعرت به؟
"
حمزة؟"
افاقني
صوتها الضعيف من افكاري ونظرت لها بلهفة الطفل وتنهدت،
"لماذا؟"
أغلقت
عينيها للحظة ثم امسكت بيدي،
"علمت
انني لن أستطع ان افعلها ان استمريت بالنظر في عينيك".
ابتسمتُ،
" حتى
ان استمريتِ في فعلها او عاد بنا الزمن وفعلتها مجددًا لن اتردد لحظة بإنقاذك بدءًا
من اليوم".
ابتسمت
عيناها الجميلتين،
"ماذا
عن القيود؟"
"أصبحتً
حر بفضلك، ماذا عن الأمان؟"
"
ذهبت مخاوفي بفضلك"..
***
تعليقات
إرسال تعليق